القائمة الرئيسية

الصفحات

درس ـ الديموقراطية لشعبة القانون s1

درس ـ الديموقراطية لشعبة القانون s1

مثلت المطالبة بالديموقراطية في القرون السادس عشر و السابع عشر والثامن عشر أحد أهم السياقات التاريخية التي وجهت التاريخ السياسي الغربي الحديث في اتجاه تشكل الدولة الحديثة كمجال جديد للسياسة يسمح بشكل أو بآخر بالتنافس والصراع والتداول والمشاركة ، وكشكل للسلطة غير مشخصن تمكن مراقبتها ومحاسبتها واألهم هو قابليتها للتجدد والتطور، وكتجلي للسياسي يسمح بحد أدنى من التأويل المتعدد والمختلف ، وهو مايؤدي الى تعدد التصورات السياسية ، وأيضا تعدد االستراتيجيات والمشاريع المجتمعية والبرامج الحزبية االنتخابية.

هناك خمسة مبادئ أساسية في النظام الديموقراطي، وهي اقرار حقوق االنسان، اقرار النظام الدستوري لممارسة السلطة، واقامة الحياة السياسية على مقتضى التعددية السياسية، واقرار النظام التمثيلي والنيابي، ثم فتح المجال السياسي أمام امكانية التداول السياسي على السلطة. وهي كل غير قابل للتجزئة. وتحتل التعددية السياسية منزلة أساسية في النظام الديموقراطي الذي يقام عليه هيكله. ليست الديموقراطية هي العدالة في الحكم، على فرض أن هذه ممكنة، فقد التكون "السلطة العادلة" سلطة ديموقراطية، وقد تكون فردية أو فئوية. ثم ان العدالة قد تكون تعلة لتحلل السلطة من واجب فتح التمثيل السياسي على حق الجميع، حيث الناس أولى بتحديد ماهو أعدل لهم، وأضمن لحقوقهم، وآمن لمصالحهم، والتعبير عنه تعبيرا مباشرا من خالل مؤسسات سياسية ينشئونها لهذا الغرض. وفي هذا السياق تحمل التعددية السياسية في مدلولها السياسي الحقوقي معنى حق الرأي والتعبير والتنظيم، وهذه مشروطة هي األخرى بالمواطنة، التي وحدها العالقات التي تقوم على أساسها، تكفل للتعددية مضمونا صحيحا، اذ هي حاصل اعادة توزيع أفراد المجتمع وفئاته داخل الكل االجتماعي على قاعدة الوالء للوطن، والوالء للنظام المدني. كما تعبر التعددية في السياسة عن حقائق االقتصاد واالجتماع، بما فيها من تنوع واختالف اليمكن الغاؤه بوحدانية التمثيل. 

يشكل النظام الحزبي التعددي الذي يسمح بتعدد و استقالل األحزاب السياسية، والقواعد الدستورية و الممارسات والقيم السياسية التي تكرس فصل وتداولية السلطات والتوزيع الواسع لها و المركزتها، والتنظيمات المدنية المستقلة والمعترف لها بالحق في انتاج واعادة انتاج ثقافة الحرية والنقد واالبداع واالختالف واالجتماع القائم على االختيار الحر المسؤول، انطالقا من االعتراف باألفراد كقيمة سياسية، بما يضمن مشاركتهم في القرارات المواطنة والتمثيل ومراقبة الممثلين( ، تشكل هذه أبعاد أو مقومات ثالثة 53 للديموقراطية. فهي مع الحرية ضد السلطوية ، مع التقييد ضد االطالقية ، ومع التعدد والتنافس ضد االحتكار.



يمثل التداول على السلطة جوهر النظام الديموقراطي، حيث به ومعه تصبح الديموقراطية فعال نظاما سياسيا، وعقيدة للدولة، وليس مجرد اجراءات تحسينية لتنفيس احتقان اجتماعي أو امتصاص ضغط خارجي. اليكفي مجتمعا أن تصان فيه حقوق االنسان، وأن يقوم نظامه السياسي على أساس دستوري، وأن يشهد حالة من التعددية السياسية، وتعيش حياته السياسية على النظام التمثيلي والنيابي، حتى يلج مرحلة البناء الديموقراطي الصحيح. يحتاج كي يبلغ هذه اللحظة الى ترجمة جميع تلك االجراءات والمكاسب الديموقراطية الى حياة سياسية قارة، من خالل اقرار قاعدة تحويل سلطة الدولة الى ميدان منافسة مفتوحة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة. فالبناء الديموقراطي المتكامل يبدأ من االعتراف بالحق في الرأي والتعبير، وفي التنظيم، وفي التمثيل، وصوال الى االعتراف بالحق في السلطة. على قاعدة االدراك العميق بأنه حق عام من حيث هي ملكية عمومية. وللتوضيح نورد هنا بعض ما أورده سبينوزا في الربط بين الدولة الحديثة والديموقراطية والحرية. وقد أشار في هذا المضمار إلى أن الحكم الديموقراطي هو أقرب األنظمة إلى الطبيعة وأقلها بعدا عن الحرية التي تقرها الطبيعة لألفراد. ففي هذا النظام ال يفوض أي فرد حقه الطبيعي إلى فرد آخر بحيث ال يستشار بعد ذلك في شيء، بل يفوضه إلى الغالبية العظمى من المجتمع ـ أي مجموع الناس أو المجتمع كله ـ الذي يؤلف هو ذاته جزءا منه، وفيه يتساوى األفراد كما كان الحال من قبل في الحالة الطبيعية. وفي هذا النظام كذلك تظهر أهمية الحرية في الدولة.

ويرجع جانبا من ذلك إلى كون الخوف من القرارات المتناقضة يقل في نظام الحكم الديموقراطي بوجه خاص وذلك لسببين: أولهما أنه يكاد يكون من المستحيل أن يتفق أغلبية الناس، داخل مجتمع كبير على أمر ممتنع، وثانيهما أن الغاية التي ترمي إليها الديموقراطية والمبدأ الذي تقوم عليه هو تخليص الناس متن سيطرة الشهوة العمياء واإلبقاء عليهم بقدر االمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام وسالم، فإذا خضع هذا األساس انهار البناء كله. 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع